آخر التعليقات

تعديل

تعديل

الهدف

ايقاض شباب العالم الاسلامي من السبات العميق الذي مر عليه قرون

تابعني على Facebook

يي

الجمعة، 3 أغسطس، 2012

حقيقة النقود الورقية - دراسة تاريخية وإسلامية (الجزء الأول)


سنبين في هذا البحث باذنه تعالى حقيقة النقود الورقية وهل يجوز التعامل بها شرعا، وماذا عن الفتاوى التي بنيت على افتراض ان النقود الورقية حلال؟ هل ستصبح هي ايضا باطله؟ هل ينطبق على النقود الورقية ماينطبق على الذهب والفضة في الاسلام؟ وهل تلبي حاجة الناس في امتلاكها؟ كل هذه الاسئلة وغيرها سنجيب عليها، نسأل الله الكريم ان يكتب لنا السداد والتوفيق.
عادل أحمد الشمراني
المقدمة:
في بداية الأمر أحمد الله الكريم على نعمه الجزيلة وآلائه الجليلة، ومن أهمها أن إختار لنا الإسلام دينا وجعله آخر الاديان وتكفل بحفظ كتابه العظيم وسنة رسوله الكريم، وأصلى وأسلم على نبينا محمد عليه وعلى آله وصحبه أفضل الصلاة وأتم التسليم، وأحمد الله اذ حفظ لنا القرآن بنصه في الصدور وبرسمه في السطور، ولا نخشى على ضياعه وتحريفه مصداقا لقوله تعالى (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ[1]) ونحمد الله ايضاً اذ سخر لهذه الامة من حفظ سنة نبيه الأعظم عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم، ولكن هناك جزء مهم قد يجعلنا نفقد رسالة الله في كتابه أو في سنة نبيه، الا وهو التاريخ، نعم التاريخ جزء مهم لاينبغي ان ننساه ابداً وهو ماسيكون موضع بحثي هذا بإذنه تعالى.
لست هنا في معرض الكتابة عن التاريخ الصرف؛ بل لأن جهلنا بالتاريخ قد يفقد الرسالة الربانية معناها واصالتها، والتي قد يكون في التاريخ ماقد يبين أن العديد من المفاهيم والقيم الاسلامية قد تغيرت وتبدلت وقد يكون ذلك بقصد او بغير قصد، وذلك بسبب جهلنا للتاريخ زحقيقة الأمور، ولست هنا لأتهم أحد ما بشي ما، ولكن الدعوة لنا جمياعاً كمسلمين لنعيد النظر فيما يحدث حولنا اليوم ونعود بالتاريخ الى الوراء فالمسألة مسألة حلال وحرام، لنعد الى الوراء ونعرف ماحصل، وسنبحث باذنه تعالى التعاملات التجارية في الاسلام، والنقود الورقية مصدرها ونشأتها، وتطبيق النظريات الاقتصادية على الايات القرآنية والاحاديث النبوية.

الباب الأول

أولى الإسلام المال أهمية عظيمة فالمال هو أحد أهم الأشياء التي سوف يسأل عنها المرء يوم القيامة، فقد عهد الله الى عباده ان يحفظوا اموالهم من انفسهم فلا يسرفوا ولا يشتروا به محرما ولا ضارا ، وان يحفظو انفسهم واهليهم مما يكتسبون من المال، وحتى أن اوجه صرف المال ايضا فيه ماهو مباح وماهو حلال وماهو وحرام بل وماهو واجب ايضا، وعهد الينا ايضا ان نحفظ مال اليتيم والسفيه والقاصر، وفي ذلك قول الله تعالى (وَآتُواْ الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلاَ تَتَبَدَّلُواْ الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا[2]) وقال تعالى (وَلاَ تُؤْتُواْ السُّفَهَاء أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُواْ لَهُمْ قَوْلاً مَّعْرُوفًا)[3] وبعد هذا فقد وجب علينا أن نتنبه الى الأموال التي بين ايدينا اليوم، وأقصد بذلك النقود الورقية، مثل الريال والدولار أو الجنيهات، والسؤال المطروح هو هل التعامل بمثل هذه النقود الورقية جائز شرعا؟ أم أنه غير جائز وماهي البدائل الحلال اذا كان حراما؟ لأننا متيقنين بأن الله لم يحرم شيء الا وبه مضره وخلق له بديل حلال ليضمن للانسان حياة كريمة بعيدة عن الظلم والعدوان، واذا كانت حراماً فماذا نفعل بالفتاوى التي قد بنيت بافتراض أن التعامل بالنقود الورقية حلالاً؛ هل تصبح هذه الفتاوى خطأ ايضا؟ هذا ماسوف نحاول التوصل اليه من خلال هذا البحث بعد توفيق الله تعالى.
لنعد الى التعاملات المالية والتجارية في عهد النبي الكريم عليه أفضل الصلاة والتسليم، فقد كانت صور التعامل المالي لاتخلو من الصور التالية، اما الشراء بالذهب أو بالوَرِق (الفضة) أو بالمبادلة، ونفهم من ذلك بانه من اجل ان نشتري شئ فلابد لنا ان ندفع مقابله شي ذو قيمة ذاتية، ونقصد بالقيمة الذاتية هي ان الذهب مثلا له قيمة بذاته ولذلك توعد الله الذين يكنزون الذهب والفضة ولا يدفعون زكاتها فقد قال تعال (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّ كَثِيرًا مِّنَ الأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ)[4] ، وينطبق على الفضه كل ماسبق من تفصيل وهو واضح لكل ذي عقل، ولكن المشكلة هي في المبادلة والتي من أجلها نشأت الاوراق النقدرية، وسيأتي بيان ذلك فيما لاحقاً.
عندما كان يتعامل الصحابة بتبادل السلع في الاسواق وكانو يسألون الرسول عن تعاملاتهم، فكان يوجههم الى التعاملات الصحيحة ويحذرهم من التعاملات المشبوهة والمحرمة، ومثال ذلك، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: جاء بلال الى رسول الله صلى الله عليه وسلم بتمر برني، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: من اين هذا؟ قال بلال: كان عندنا تمر رديء ، فبعت منه صاعين بصاع ليطعم النبي صلى الله عليه وسلم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم عند ذلك : اوه اوه! عين الربا ، لاتفعل ، ولكن اذا اردت ان تشتري فبع التمر ببيع آخر ، ثم اشتر به. متفق عليه.
ومن هذا يتبين بأنه لابد عند تبادل سلعتين من نفس الجنس أي تمر بتمر كما في الحديث السابق لايجوز أن يكون هناك مفاضله بمعنى لايجوز ان نبدل صاعين من تمر رديء بنوع جيد من التمر وبذلك نكون قد وقعنا في ربا الفضل، فقد يسأل سائل من ذا التاجر الذي سوف يبدل تمره الجيد بنفس المقدار من التمر الرديء؟، فنرد عليه بأن النبي قد وضح لنا الطريقة السليمة في الاسلام في نفس الحديث وهي ان نبدل التمر الرديء بنوع آخر من السلع كالشعير مثلا ومن ثم نعود لنبادل الشعير بالتمر الجيد، وفي الحقيقة ظاهر هذه العملية أنها عملية طويلة قد تفضي في النهاية الى نفس الكمية من التمر الرديء مقابل نفس الكمية من التمر الجيد (صاعين مقابل صاع) فأقول بان كفار قريش قد قالوا نفس القول، عندما نزلت الايات القرانية تحرم الربا، قال تعالى (الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لاَ يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَن جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّهِ فَانتَهَىَ فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ)[5] فقد قطع الله على المشككين السؤال، وانزل الجواب مجردا من أي توضيح، فقد لاندرك الحكمة الالهية من ذلك ولكن نحن كمسلمين نأخذ التعاليم الدينية ونطبقها سواء علمنا الحكمة منها ام لا، فنحن نصلي المغرب 3 ركعات مثلا دون ان نعرف السبب، ونخرج الزكاة بربع العشر ولانعرف لماذا! ونقسم المواريث كما امرنا الله ولانعلم سر التقسيم!!، فنحن نتعبد الله كما عمنا ان نعبده، واتباع اوامره من أجل انواع العبادة.
ولكن ماذا ان لم يجد أحدهم سلعة اخرى يبادل بها؟ عندها يجب ان يتساوى المقدارين المتبادلان، ودليل ذلك ماجاء في صحيح مسلم، (عن ابي سعيد الخدري قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الذهب بالذهب والفضة بالفضة والبر بالبر والشعير بالشعير والتمر بالتمر والملح بالملح مثلا بمثل يدا بيد فمن زاد أو استزاد فقد أربى الآخذ والمعطي فيه سواء)[6] ويوضح هذا الحديث ماتقدم من سياق.
وبعد هذه المقدمة، سنعود الى محور البحث وهو النقود الورقية من حيث مصدرها ونشأتها، وهل ينطبق عليها ماينطبق على الذهب والفضه والسلع الاخرى كالشعير والملح والبر والتمر؟ وهل لها قيمة ذاتيه؟ هذا ماسنعرفه من خلال المبحث الاول وهو حقيقة النقود الورقية وهو ماسنعرضه خلال الباب الثاني من هذا البحث.

الباب الثاني

في بداية هذا الباب أود ان اطرح أن فكرة النقود الورقية هي فكرة عبقرية لأنها سهلة الحمل ولانها تسهل عملية التبادل التجاري طالما انها تتميز بقبول عام، أي انه ليس من الضروري انه عندما اريد ان اشتري تمرا مثلا فلابد لي ان احضر شعيرا لابادله مع تاجر التمر، فطالما ان هذه النقود تمثل ثمنا فمن المفترض والذي يتبادر الى الذهن فان النقود الورقية تحمل قيمة لمن يحملها، والا مالذي يستفيده تاجر التمر من ورقة عديمة القيمة مقابل محصولة او بضاعته؟ لنأتي الان ونعرف كيف اكتسبت هذه النقود قيمتها الحقيقية وهل هي تعتبر قيمة ذاتية؟ ام هي تعتبر كالسند، أي ان له قيمة لمن يحمل هذا السند؟، ويستطيع صرفه بشيء له قيمة ذاتية مثل الذهب مثلا؟ ولاحظ معي بأني قلت صرف الورقة النقدية بالذهب وليس شراء الذهب، لان هناك فرق كبير.
لن نثبت في هذا البحث بأن الذهب والفضة كانت تقدم كقيمة للشراء لأنه شي مسلم به، ولكن سنذهب مباشرة الى الطرق الاخرى التي كانت تتمتع بقبول نسبي بين التجار في بداية الأمر.
نشأت النقود الورقية في شكلها البدائي على شكل سندات وكانت تسمى (النقود الورقية النائبة) وذلك عندما خشي التجار على نقودهم الذهبية أو الفضية من السرقة أو مما قد تتعرض له القوافل والسفن من قطاع طريق أو غرق ، مما قد يعرض اموالهم المعدنية (الذهبية والفضية) للضياع أو السرقة، ولتجنب ذلك فكر بعض التجار في وسيلة تجعل ثرواتهم واموالهم في مأمن من هذه الاحداث، فوضعوا مايملكون من مسكوكات معدنية في بيوت تسمى (بيوت المال) والتي تحضى بسمعة طيبة وثقة بين التجار، ويحصلون على صكوك تحمل حقوقهم لودائعهم، فأصبح التجار يبرمون صفقاتهم التجارية، فيقوم الطرف المشتري بالتوقيع على الصك معبرا عن تنازله عن قيمته للطرف الأخر، والذي سيقوم بدوره باستلام قيمة الصك من بيت المال في أي وقت واي مكان اخر، وهي مشابهة لشيكات في عصرنا الحديث، وتأتي تسميتها لانها تلعب دورا نيابيا عن العملة ، أي انها لاتحمل أي قيمة مالية بذاتها، أي لايستطيع الاستفادة منها الا مالكها الحقيقي والتي تحمل اسمه.
ومن هنا بدأت بيوت المال هذه او ماتسمى بالبنوك حاليا باقراض هذه السندات او الصكوك الى العملاء وبفائدة واصبحت العملية تجارية، واصبح الناس يحصلون على هذه الصكوك بفائدة على ان يسددوا قيمتها ذهبا او فضة، الا ان اصبحت هذه الصكوك معتبرة ولها قيمتها التي يتعهد البنك بدفع قيمتها الذهبية لحامل الصك أي كان، الى ان اصبحت هذه السندات ذات قيمة بذاتها وتمتعت بقيمة ذاتية بين الناس لان لها مقابل بالذهب لدى البنك ويستطيع صرفه في أي وقت، ومن هنا بدأ التعامل بهذه الصكوك او السندات.
لاشك بأن الانسان وبما يمتلك من ذكاء وفطنة فقد استفاد الانسان من الخبرات والمشاهدات واعداد البحوث، فقد اصبحت الدول والبنوك المركزية وبالاستعانة بالاقتصادين تصدر سندات او صكوك قابلة للتجزئة أي يكون هناك عدة فئات وهي ماتسمى (بنكنوت) أي هناك ورقة تساوي ريال واحد مثلا وآخرى تساوي عشرة ريالات وآخرى اكثر واخرى اقل، وذلك لتلبي حاجة الناس الى اوراق نقدية ذات قيمة وسنأتي اليها في المبحثين التاليين.
المبحث الأول
القبول العام:
أخذت البنوك المركزية هذا المبدأ على محمل الجد ولحل هذه المشكلة فقامت بربط العملة الورقية بمايعادل قيمتها من الذهب وعلى سبيل المثال لنقل ان فئة العشرة ريال تساوي اوقية واحدة من الذهب لكي يشعر المتعاملون بالامان عند استخدام هذه الاوراق ، ولكن مالبثت البنوك المركزية بعد ذلك فقمامت باصدار هذه الاوراق النقدية بدون ان يكون لها مقابل من الذهب، ويكون ذلك بما تملكه الدولة من موارد من نفط وزراعة واستقرار امني واستقطاب سياحي ونحوه وذلك لتحقيق اشياء عدة، وذلك بنسب معتدلة حتى لاتفقد هذه النقود قيمتها بسبب التتضخم ونحوه، واكتسبت الاوراق النقدية قيمة ذاتية قائمة بذاتها ويعزى ذلك الى قدرة الدول والبنوك المركزية على المحافظة سعر العملة المحلية مقابل العملات الاخرى حتى تتمتع بقبول عالمي وتدخل ضمن اتفاقيات دولية من شأنها تسهيل التعاملات التجارية والتنمية الاقتصادية والبشرية بين العديد من الدول. ولذلك نجد اختلاف في السعر من عملة الى اخرى، من هنا قال العلماء بثمنية الاوراق النقدية، وجريان ربا النسيئة والفضل فيها، واستند أهل العلم في ذلك الى مارواه البلاذري في كتابه فتح البلدان بأن عمر رضي الله عنه هم باتخاذ النقود نت جلد البعير، ومامنعه من ذلك الا خشية على البعير من الانقراض، وهذا يدل ان عمر رضي الله عنه رأى ان الجلد كالذهب والفضة قد يكون له قيمة اذا قبله الناس قبول عاما، ونحن على يقين بأن قيادة عمر رضي الله عنه للدولة الاسلامية كان بتقدير الله عز وجل لانه من أجل من صادق رسولنا الكريم عليه افضل الصلاة والسلام، فقد خشي رضي الله عنه على انقراض الابل رغم حاجة الناس الى هذا القرار، ومن هذا القرار نستخلص منه العديد من الفوائد ومنها مايهمنا هنا وهو حرصة على الثبات، فقد علم رضي الله عنه بانه في حال تقلص عدد الابل ستزداد قيمة القطع الجلدية، وايضا قد يؤدي هذا القرار الى ارتفاع قيمة الابل وبالتالي انخفاض قيمة القطع الجلدية، فأعرض عن هذا القرار لانه لايحقق مبدأ ثبات القوة الشرائية. وهنا سيتم وبنجاح تحقيق مبدأ القبول العام وذلك لسبب بسيط لحاجة الناس الى عملة متفق عليها وتتمتع بقبول وذلك لاشباع حاجتهم الشرائية، ولكن سيقع في مشكلة اخرى وهي الثبات، وهنا يتبادر الى الذهن سؤال مهم قد لايخطر على الكثير من الناس وهو؛ ماذا لو حدث إنهيار للاقتصاد لاي بلد لاي سبب كان؟ أعرف بان البنوك المركزية لها خطط بديلة ولديها موارد أخرى تستطيع التعويض بها، ولكن ما اقصده هو ماذا لو تعرضت احدى الدول العظيمة الاقتصاد الى حرب قد يمنعها من مزاولة اعمالها في ادارة شؤون الناس؟ وهذا يأخذنا الى المبدأ الثاني وهو الثبات.
المبحث الثاني
الثبات:
مما لاشك فيه فإن من اهم ماتجتهد فيه البنوك المركزية هو الحفاظ على قيمة ثابتة لعملتها وذلك بربط عملتها بأي وسيلة قياس قد تقبلها العملات الاخرى، وقيمة العملة الورقية تتأثر بمعايير كثيرة وليست هي مقام بحثنا، فعلى سبيل المثال الريال السعودي ترتبط قيمته بالدولار الامريكي بمقدار قد يكون ثابت خلال العقود الماضية، والدولار الامريكي هو الاخر يكتسب قيمته الذاتية من قيمته البترولية، لان البترول يباع بالدولار، ويكتسب قيمته في البورصة العالمية مقابل العملات الاخرى، ويوثر في ذلك بشكل مباشر العرض والطلب، ومما لاشك فيه بان سيكون هناك طلب على الدولار من اجل شراء النفط وايضا لشراء المنتجات الامريكية والتي فرضت نفسها في السوق العالمية، وهذا ماقد يوثر على قيمة العملة المحلية بالعملات الاخرى، ويلاحظ هذا الاختلاف عندما نقوم بتحويل الريال السعودي الى اليورو مثلا او الى الين اليباني مثلا، وقد لاتتأثر المنتجات المحلية ولا يشعر المواطن المحلي بهذا الاختلاف، لا هذا الاختلاف يؤثر وبشكل مباشر على المواد والبضائع المستوردة والمشتراه بعملات اخرى، وبما ان الريال مرتبط بالدولار الامريكي بمقدار 3.75 ريال للدولار الواحد فهل هذا يعتبر ثبات؟ لا أظن ان هذا يعتبر ثباتا وسيأتي بيان ذلك في التالي، لان الدولار تختلف قيمته الشرائية بشكل يومي مقابل العملات الاخرى، ومايأكد هذه النظرية هو انخفاض التصنيف الائتماني للولايات المتحدة الامريكية بسبب الديون وعوامل اقتصادية اخرى؛ ومما يؤثر بشكل مباشر على قيمة الدولار، وهذا ماحصل في الاونه الاخيرة تقريبا في شهر 8 من عام 2011، ومن اسباب ذلك مايلي:
  1. ليس لها غطاء من الذهب.
  2. تم طبع 600 مليار دولار في سنة 2011 فقط لتوفير السيولة للبنوك من العملة الورقية، ويأتي ذلك حسب تصريح من لجنة السوق المفتوحة في المجلس الاحتياطي الفيدرالي الامريكي[7].
  3. تعتمد امريكا على قوتها السياسية في فرض الدولار على العالم.
  4. النفط يباع بالدولار الورقي وهذا يفسر ارتفاع قيمة البرميل الى مافوق المائة دولار، وهاذا يعني ان النفط العربي يشترى بدولارات ورقية.
  5. يباع النفط بالدولار منذ سنين بمعنى ان الدولار تتضاعف كمياته مع تضاعف انتاج النفط، وكثرته تخفض قيمته.
  6. أي عملة تنهار لاتعود للانتعاش.
  7. الذهب كشف قيمة الدولار الحقيقية، فالدول تجامل ولكن الاقتصاد يجب ان تنعدم فيه المجاملات.
  8. طالما ان الدولار في حالة انخفاض فان أي دولة قد ارتبطت عملتها بالدولار فانها لاتستطيع فك الربط في الوضع الراهن، بل ستسعى جاهدة لانقاذ الدولار وهذا ما لايمكن تحقيقة بالطرق المتبعة حاليا. واذا حصل وفكت أي دولة ربط عملتها فسوف تتابع الدول في ذلك وستسعى كل الدول الى التخلي عن الدولار.
ولكي نشرح هذه القضية بشكل مفصل سنذكر احد التجارب والتي فضحت هذه العملات الورقية، ولكن الدول مازالت مغمضة العيون، ولا اظن ان الدول والقائمين على اقتصاداتها يجهلون هذا الخطر العظيم، فهم الطبقة الجديرة بملاحظة هذه القضية، وهناك بدائل للهروب ولكن هل هذه البدائل معلنة للناس؟ ماذا لو علمت العامة بالوسيلة البديلة ومالذي سيحدث؟ وهل الطبقة المعنية قد طبقت خطة الهروب ام ليس بعد؟ وهذا ماسنعرفه في الباب الثالث من هذا البحث.
ونذكر العراق –عافها الله مما اصابها- هنا على سبيل المثال، فقد تعرض الدينار العراقي للعدة تغيرات وكلها نتيجة قرارات اعتباطية امريكية ولكن عاد للاستقرار حتى عام 1991 أي ماقبل الغزو العراقي على الكويت، فكان سعر الصرف هو 3.2169 للدولار الواحد، وتلى ذلك كما نعلم العديد من العقوبات الاقتصادية والتي منعت العراق من طبع عملته الورقية في سويسرا مما جعل الحكومة العراقية تبحث عن بدائل، ولكن لم تستطع انقاذ الوضع، والجدير بالذكر بان الدينار العراقي بعد الحرب الامريكية على العراق في عام 2003 ، اصبح يباع بعدد بخس من الدولارات، حتى وصل من الرخص الى انك تستطيع شراء مليون دينار عراقي مقابل الف دولار امريكي فقط، فهل هذا يعتبر ثبات؟ وهل هذا يحقق رغبة الناس فيما يمتلكون من ثروات نقدية مودعة في البنوك؟
لامجال للشك بعد هذا المثال بان قوة العملة الورقية حاليا مرهونة بعوامل ليس لها علاقة بالثمنية الاصيلة، ولنعرف ذلك بشكل مفصل، لابد لناان نعرف بان العملات تفقد البعض من قيمتها بمرور الزمن وتخضع لعوامل عدة، ولتوضيح نعرف جميعا بان جميع السلع ترتفع قيمتها مع مرور الزمن، وكلنا يعرف بان ماكنت نشتريه قبل عشرون عاما بمقدار معين من الريالات لانستطيع شرائه الان بنفس القيمة، ويعزوا الاقصاديون المظللون بان السبب هو ارتفاع قيمة الاشياء وهو مايعرف بالغلاء، ولكن في حقيقة الامر ليس كذلك، بل ان القوة الشرائية للعملة تقل بمرور الزمن، وقد لايكون الفرق كبيرا من الناحية الظاهرية ولكن في حقيقة الامر ان التغير الحاصل هو في العملة وليس في النتجات التي نشتريها، على أي حال، دعونا نضرب مثالا لتوضيح الامر، وليس لاخافتكم ولكنها دعوة للتفكير والتحليل حتى نطرح الحلول البديلة.
لنفترض بان هناك احدهم ويمتلك مامقداره خمسة ملايين ريال مرصودة في حسابه البنكي، لاشك بانه في معايير الجميع بانه رجل غني، ولنا ان نتخيل ماقد يعيش فيه هذا الرجل من ترف وطيب عيش، وبما ان الحياة مليئة بالاخطار والحوادث، لنفترض لو دخلنا في حالة حرب وحصل لنا ماحصل للعراق لاسمح الله، مالذي سيحدث لصاحب الخمسة ملايين؟ وماذا ستشتري له من طعام له ولاهله؟ وكم ستكفيه من الزمن حتى يقضي عليها؟ وهل يستطيع تحويل الخمسة ملايين الى عملة اخرى لينقذ فيها ثروته؟ جميعنا يعرف بان الاجابة على هذه الاسئلة جلية وواضحة بان النقود الورقية لن يساوي شيئاً حينها، وتقودنا النتيجة الى البحث عن الحلول الممكنة وفاعليتها هذا ماسنعرفه في الباب التالي ان شاء الله.
الباب الثاني
عندما خلق الله ابونا ادم عليه السلام، لم يخلقه جاهلا بل علمه كل ماقد يحتاج اليه ليقيم حياته فقد قال تعالى (وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَاء هَؤُلاء إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ)[8] وتركه ليتعلم ويبحث عن كل شيء والا لما كان يعرف بانه بحاجة الى الماء عندما يشعر بالعطش وبحاجته الى الطعام عندما يشعر بالجوع، وعلمه الحلال والحرام والمسموح والممنوع وفي ذلك قوله تعالى (وَيَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلاَ مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلاَ تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ)[9] ويتضح لنا ان الله عز وجل لم يترك الامر لنا لنختار ماهو خير لنا بعقولنا القاصرة، بل ارسل لنا الرسل لتعلمنا العبادة والتوحيد والحياة الاقتصادية والاجتماعية وغيرها من جوانب الحياة، وليس هناك اكمل ولا امثل من هذا الدين العظيم، فلدينا من التعاليم القرآنية والنبوية ماهو كنز ثمين، فقد اثبتت النظريات البشرية الاقتصادية فشلها، وكل مايفعلونه الان هو محاولة انعاش الاقتصاد لاطالة عمره القصير فقط وترقيع كل خلل وكل رقعة جديدة يكونبها خلل، وهذه الحالة لن تدوم طويلا، الم يأن الاوان للعودة الى كتاب الله وسنة رسولة الكريم على افضل الصلاة وازكى التسليم؟ الى طرق التبادل التجاري الذي فيه مصلحة الناس ويعيشوا حياة طيبة حسنة، لنعد الى عصر الذهب والذي لم يخلقه الله ليكون بضاعة تشترى بالورق بعد ان كنا نشتري الورق بالذهب، فالذهب معدن نفيس لانه لايفقد شكله ولا لونه بمرور الزمن ويتمتع بقبول منقطع النظير في جميع انحاء العالم، وقد اثبت ذلك عبر العصور فهو المعدن الثمين الذي يقبله الناس في كل انحاء العالم على انه ذا قيمة، ولنعد لربط عملاتنا بالذهب فقط ولا شيء غير الذهب، حتى يتحقق للناس القيمة الذاتية لما يمتلكون من نقود ورقية في البنوك، ويتضح لنا بعد هذا السرد معنى الحديث الشريف الذي سقناه في بداية البحث وهو حديث ابي سعيد الخدري قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الذهب بالذهب والفضة بالفضة والبر بالبر والشعير بالشعير والتمر بالتمر والملح بالملح مثلا بمثل يدا بيد فمن زاد أو استزاد فقد أربى الآخذ والمعطي فيه سواء) فقد بين لنا الرسول ان لانرابي في الذهب والفضة في الحديث السابق وانه لايجوز في الفضل بقوله مثلا بمثل والا النسيئة بقوله يدا بيد فمن زاد او استزاد فقد اربى، وهذا الحديث بين جلي، بان الذهب يتمتع بثبات الثمن القديم منه والجديد، أي لابد ان يفهم الناس ان الذهب والفضة ليس كغيره من المعادن وان تقبلها الناس كوسيلة لدفع الاثمان ولاتتغير قيمتها بمرور الزمن وذلك بقوله صلى الله عليه وسلم في حديث عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: جاء بلال الى رسول الله صلى الله عليه وسلم بتمر برني، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: من اين هذا؟ قال بلال: كان عندنا تمر رديء ، فبعت منه صاعين بصاع ليطعم النبي صلى الله عليه وسلم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم عند ذلك : اوه اوه! عين الربا) ولم يأتي التمر في قصة بلال رضي الله عنه مصادفة، بل هو تقدير من الله عز وجل لكي نربطه بالحديث الذي قبله والذي ذكر فيه التمر ايضا بانه لايجوز بيعه نسيئة ولا فضل. وقد علم المتابعون والواعون لاهمية الذهب في ظل التدهور للعملات الورقية وهو ماجعلهم متيقنين بان هذه العاصفة ستطولهم يوما ما، وهو ماجعلهم يشترون الذهب ويخزنونة بدل من تخزين العملات الورقية والتي لن تعيش طويلا، وهذا يفسر ارتفاع سعر الذهب خلال العشر سنوات الماضية الى ارقام قياسية، ومازال الارتفاع مستمراً ولا احد يعرف الى متى سيظل مرتفعا، والسبب في ذلك ازداد الطلب على الذهب المسكوك الذي على صورة سبائك، لانه الحل الوحيد والملاذ الامن من أي انهيار غير متوقع، فمن يمتلك الذهب في ظل الانهيار الاقتصادي يستطيع ان يعيش ويصمد، وفنتخيل لو ان جميع العالم عادو الى الذهب، لنأخذ السعودية على سبيل المثال، وذكل حسب احصائيات رسمية يقوم العمال الاسيويين بتحويل عشرات المليارات ريال سنويا الى بلدانهم، لنفكر معا، ماذا لو كانت العملات مرتبطة بالذهب فهل ستعيش تلك الدول في الفقر المدقع؟ بالطبع لا والا لكنا رأيناها تحولت الى دول غنية، ولكن السبب فقط هو في هذه النقود الورقية والتي تفتقد الى القيمة ملموسة وهذا مايجعل الدول الفقيرة تبقى في فقرها، وتستمر الدول الغنية في غناها، ولكن هذا الاستمرار لن يدوم طويلا لانه ليس الطريق الصحيح، فبدلا من ان ندرس الاقتصاد الاسلامي والذي لاشك في جدواه ولكن بدون هذه العملات الورقية لانها ليست ما امر الله ورسولة بفعله؛ فقمنا بدلا من ذلك بدراسة النظريات الغربية واعترفنا بها على انها صحيحة وقمنا بتطبيق الفتاوى عليها، وهذا مما لاشك فيه بانه غير مقبول لان مابني على باطل فهو باطل.
وسنكمل بقية البحث في الايام المقبلة، ولكن اردت أن أعطيكم زاوية جديدة ترون بها مايحدث في هذا العالم.

[1] الآيه رقم من سورة
[2] الآية رقم 2 من سورة النساء
[3] الآيه رقم 5 من سورة النساء
[4] الآيه رقم 34 من سورة التوبة
[5] الآية رقم 275 من سورة البقرة
[6] صحيح مسلم
[8] الآيه رقم 32 من سورة البقرة
[9] الآيه رقم 19 من سورة الاعراف

ردود الأفعال:

0 التعليقات:

إرسال تعليق

اكتب تعليقك هنا